نعم أتذكر المرة الأخيرة التى رأيته فيها..دق
جرس البيت وفتحت الباب لأجده في أبهي زينة وأجمل حلة بيضاء لبسها مذ أن عرفته،كانت الحماسة تغمر كلماته
ونظراته وكانت الابتسامة الواثقة والتى توحى بهدوء السبعين تزين فمه،وكان النشاط يدب في كل حركة من حركات
يديه،كان أسعد من يوم زفافه...عندما رآني اتسعت الابتسامة علي وجهه وربت علي يدي
بحرارة ونظر الي نظرة عميقة ثم قال بكل فرح اتسمت به كل حركاته
: اتمني أن تأتى،أيامنا لاتُنسي،سأتذكرها
دائما فى أحلامى.
لم أر زوجته الا عندما مد يده في صندوق تمسكه
بكلتا يديها،وناولني منه عصفورا تدلى من احدى رجليه خيط رقيق معلق به مظروف أبيض،كانت
متشحة بالسواد وفى عينيها اثار دموع يبدو انها كانت تصارع لحبسها،كنت مضطربا عندما
أمسكت بالمظروف لأنى كنت أعرف ماجاء من أجله،حدثنى عنه كثيرا.
كانت نظرتى له حزينة عندما سألته :هل هذا هو
قرارك الأخير؟
رد بكل هدوء:الحكمة تقتضى ذلك.
:هل أدركتها أخيرا؟
لم يرد وانما اكتفى بابتسامته الواثقة
وايماءته بالايجاب،دعوتهما للدخول ولكنه اعتذر قائلا :اسف جدا.مازال أمامي باقى
الاحباب لأدعوهم كما أن ميعاد نومى قد اقترب..لابد أن تأتى.
أجبت طلبه وخرجت أتبعه،لم أكن وحدى بل كان
هناك أناس كثر.. كل من عرفه تقريبا ،كان
العدد يتزايد فى كل لحظة ويتزايد معه أصوات التابعين وتساؤلاتهم عن السر وراء
الحكمة التى تجعل المرء يترك بيته وأسرته وثروته لينام.كانوا يعرفون جميعا أنه كان
بكامل صحته وعقله قبل أن يصل الي الحكمة ولكن منهم من لم يتغاض عن اتهامه بالخرف
والهذيان كما اتهموا كثيرا قبله.عندما وصلنا الي فسحة بيته كان الصخب وصل الي حد
من يحتاج الى من يسكته،ربت علي يد زوجته الحزينة ثم قبلها وصعد الى منبر عال
,وأشار لهم أن يسمعوه
:أعرف مايدور في خلدكم،مررت بهذا كثيرا عندما
كنت مكانكم...اما الان فلا أستطيع ولا يستطيع أحد ان يفهمكم ،الزمن وحده هو من يستطيع.. ان الزمن يتكلم وسأترك له
الاجابة."
حيرتهم هذه الاجابة وزادت من صخبهم فلا أحد
يشك أن الزمن يتكلم ولكن من الذى يفهم
لغته؟؟
استأنف حديثه بنفس السرور : ليس هناك فائدة
الان من معرفة الحكمة..من يتعلم لغة الزمن سيدرك الحكمة لاحقا وسيأتى يوم يفعل
مثلما فعلت وفعل كثير قبلى،وسيسخر من فعله الناس ايضا ويتهمونه بالهذيان ولكنه
سيكون أكثر الناس ادراكا لعقله ."
عندما يئسوا من إجاباته التى تزيد اللغز
ابهاما تبعوه فى صمت،صمت الفكر أو صمت الحيرة لا أعرف ولكنني كنت متأكدا أن صاحبى
أراد لنا الاثنان معا الفكر الحير والحيرة المفكرة.
كانت فسحة بيته المزدانة بالشجيرات الخضراء
والورود الملونة يقبع فى ركن من أركانها صندوق خشبي مستطيل صُبغ باللون الأبيض يكفى
أن ينام فيه شخص واحد وبالتحديد هو،أعرف أنه قد أخذ فى صنعه منذ ثلاث ليال،سهر
الليلة الماضية فقط يعده ويجربه ويزينه بالورود والزهور والأوراق الخضراء ليكون كما أراد دائما أجمل صندوق صنع للنوم في
المدينة.
وقف وظهره للصندوق ونظر للتابعين :الآن حان
وقت نومى وسواءاً تقابلنا مرة أخرى او لم نتقابل لايهم..مايهم ألاتهربوا من البحث
عن الحكمة وأن تتعلموا لغة الزمن.
قال هذا ثم توجه الى الصندوق يتسلقه ،عندئذ
نظرت الى المظروف فى يدى لأرى دمعى قد بلل كلماته وخط يده "سأراك فى
أحلامى".نظرت ناحية الصندوق مرة اخرى وقد هيأ نفسه فى وضع النائم وقبل أن
ينام نومته الابدية أطل برأسه لنا مودعا ومازالت تلك الابتسامة الواثقة علي وجهه.
**************
“I believe in the victory of will and
reason over death,just as I believe that I will soon die myself.And millions
more will die and yet,in time,death will become a simple act of the will,we
will prepare for oblivion just as consciously as we now prepare for sleep”
Inspired by Michail kotsbunisky in Maxim Gorky’s “Literary Portraits”



